بالصور "آية" فنانة من غزة تتحدى يديها المبتورتين بالرسم والتطريز بقدميها

اية2.jpg

"آية" فنانة من غزة تتحدى يديها المبتورتين ترسم وتطرز بقدميها

غزة / احمد السماك خاص المشرق نيوز

تحني الفنانة آية مسعود 20 عاما) ظهرها بليونة قل نظيرها، تجاه ركبتيها، رغم انها مبتورة اليدين ممسكة بقدمها اليمنى إبرة، وتطرز لوحة للزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، في مشهد نادر، ورغم تحكمها الدقيق بأقدامها، إلا أنها عجزت عن هش ذبابة كانت تقف علي وجهها ، خشية أن يقع الخيط من الإبرة فتعجز عن إدخاله مجدداً.

تقول آية لـ" المشرق نيوز " وهي تمسك القلم والهاتف معا بقدمها اليسرى، إنها ولدت دون يدين، ولجأت للفن ليعبر عنها.

وضعت الفنانة اللوحة، دون اكتمال زاويتها اليسرى، على الطاولة المجاورة لها، والمقابلة لباب الورشة الصغيرة القريبة من شاطئ بحر دير البلح وسط قطاع غزة.

اية1.jpg
 

الصدفة وحدها من دفعت آية (لأن تمسك قلمها وورقة فارغة وترسم عليها "سنفورة صغيرة". وخلال "خربشتها" مرّ عليها والدها فسرّه ما ترسم، فأبدى إعجابه، وعرض عليها الالتحاق بدورة تدريبية لتعلم الرسم، وهذا عام 2013.

تضيف آية: "خلّصت المستوى الأول من الدورة وما كَمّلت، عشان بدت المدرسة حينها، وكمان حسيت الرسم سهل؛ فصرت أتعلم من اليوتيوب وأطوّر من حالي. بديت أرسم صور بسيطة للطبيعة ورسوم كرتون، خاصة فيلم السنافر تبع الأطفال".

ظل الرسم المتنفس الوحيد للفنانة حتى عام 2016، عندما التحقت بالثانوية العامة، حينها كانت ناريمان أبو سمرة-المُقربة لها الآن-في السنة الأولى من كلية الهندسة في جامعة الأزهر بغزة، قد أوشكت على الانتهاء من ابتكار حقيبة خاصة لمبتوري الأيدي؛ تعمل بالأوامر الصوتية. لاقى ابتكارها صدى إعلامياً واسعاً، وعلى إثره، اتصل عم آية بوالد ناريمان ليخبره عن حاجة الأولى للابتكار، فذهبت المهندسة ووالدها إليهم ومن هنا نشأت الصداقة بينهما.

اية3.jpg
 

تقول ناريمان وهي تبتسم، لـ المشرق نيوز: "والله لما عملت الحقيبة ما كنت بعرف أساساً آية.

ومن مفارقات القدر، أن اسم والدي وائل، واسم والد آية أيضا وائل. كانت لي شقيقة اسمها أيضاً آية تُوفيت قبل سنوات، فالله أعطانا آية تانية".

أحبت المهندسة مذ كانت بالمدرسة فن التطريز، ولم تستطع أن تمارسه إلا عام 2015 عندما بدأت جامعتها، إذ بدأت تطرز قطعاً تراثية وتنشرها على "الانستغرام"، لاقت إعجاب عدد من متابعيها الذين تواصلوا معها لتطريز مشغولات خاصة لهم. ولكثرة الطلبات، أنشأت ناريمان ورشة تطريز صغيرة، والآن لديها ثلاثون عاملة-بدوام جزئي-منهن آية.

ولأن ناريمان تدرس هندسة أنظمة الحاسوب، ساعدت آية في تطوير موهبتها، وعلّمتها الرسم على "إليستريتور" وهو برنامج للرسم الرقمي، وهذا طور مهارة الفنانة كثيراً.

اية1.jpg
 

أنهت آية الثانوية العامة-فرع أدبي-والتحقت بدبلوم وسائط متعددة (ملتميديا) في الكلية الجامعة للعلوم التطبيقية بغزة، والآن تستخدم عدة برامج للتصميم، ومنذ نحو عام، علّمت المهندسة الفنانة أساسيات التطريز، وأصبحت الأخيرة تُسخّر فنّها لتصميم المنسوجات والملابس.

تقول آية: "نرسم النموذج الأوّلي للثوب، ومن ثم نصممه بتقنية 3D، ثم نطبعه على لوحة كبيرة، وبعدها نبدأ بتطريزه".

تنشر اية أعمالها أيضا على مواقع التواصل الاجتماعي، ولها آلاف المتابعين- كان لحسابها على "إنستغرام" قبل عام نصف مليون متابع، بعدها سُرق.

وتضيف: "معظم المتابعين عندي من ذوي الاحتياجات الخاصة، بتعمّد دايماً نشر منشورات إيجابية وتحفيزية، ورغم هيك معظم ذوي الاحتياجات الخاصة بينتقدوني لأنهم للأسف كثير منهم أميون، لا يعرفون حتى الحروف.".

تظهر آية امتنانها لعائلة ناريمان لاحتضانها، بذات القدر الذي تظهر فيه بغضها للعديد من مؤسسات ذوي الاحتياجات الخاصة، وبعض المؤسسات الرسمية. وتقول: "اختلطت على الأقل بسبع مؤسسات لذوي الاحتياجات الخاصة، معظمهم لا يقدموا خدمات حقيقية لنا، بل على العكس، معظم الدعم يستهلك كمصاريف للجمعية ورواتب للموظفين. معظم ذوي الاحتياجات يتوجهون للجمعيات لانهم لا يملكون متنفس بديل".

وتحلم آية حالياً بأن تدرس بكالوريوس تربية فنية، لكن التكاليف تحول دون ذلك.

اية5.jpg
 

وعن الصعوبات، بيّنت الفنانة أن ذوي الاحتياجات الخاصة بشكل عام يعانون الأمرّين عند التنقل، إذ يحتاجون أن يكونوا لوحدهم في سيارة الأجرة، خاصة وأن معظمهم يتحركون بواسطة كرسي متحرك، وهذا مرهق مالياً.

الجدير ذكره أن آية تتنقل بشكل شبه يومي بسيارة أجرة خاصة بين غزة-حيث تسكن، ودير البلح لتصل للورشة وتلتقي بزميلاتها، وهذا يحتاج تكاليف ليست بسيطة يتكفل بها والد ناريمان، وائل أبو سمرة (48عام)، الذي أخبرنا أنه لا يريد من ذلك سوى "التجارة مع الله".

اية6.jpg
 

وسرعان ما أمسكت الفنانة الإبرة بقدمها مجددا، عادت الذبابة لتقف على وجهها، فلم تستطع آية التحمل أكثر من ذلك، فوضعت الإبرة على الطاولة، وحَنَت ظهرها تجاه قدميها، ورفعت قدمها لتهش الذبابة عن أنفها، ونجحت، حاولت أن تمسك الإبرة مجدداً إلا أن الخيط سقط من خرم الإبرة.

انتهى