الجمعة , 28 أبريل 2017 - 01 شعبان 1438 هـ

قصة خلب ... بقلم صابر الشامي

قصة خلب ... بقلم صابر الشامي

قصة خلب ... بقلم صابر الشامي

حصار مطبق، جيوش وميليشيات العدو حول المدينة كالسوار حول المعصم. قرابة المائة وخمسين ألفا من البشر تفصلهم عن الإبادة ساعات معدودة!

ليست تلك قصة (#حلب) وليسوا هم ثوار الشام، بل قصة (جيانكشي) الصينية، المدينة التي أقام فيها (ماو تسي دونج) دولته الشيوعية متمردا على الحكومة القومية على 1% فقط من مساحة الصين.

في 1934 ستنطلق جحافل (الكومنتانج) بغية الخلاص الأخير من صداع الشيوعية. يحاصرون (جيانكشي) حصارا مطبقا، وتبدو نهاية الشيوعية في الأفق لائحة.

الذي يحدث هو أحد أعجب حوادث التاريخ الحديث. إنه الحدث ذو الرمزية البالغة: (المسيرة الطويلة). هي قصة كسر الشيوعيين للحصار ثم الانسحاب فرارا من بطش (الكومنتانج)، ليس فرارا بـ100 فردا أو 200... بل بـ130 ألفا من البشر.

هي قصة عام كامل من المطاردة والمعارك والدماء، قصة آلاف البشر يقطعون قرابة العشرة آلاف كيلو متر سيرا على الأقدام، من جنوب شرق الصين إلى شمالها! هي قصة عبورهم لـ 24 نهرا و18 جبلا مغطى بالجليد!

هي قصة إصرار، لا فرار، قصة قوم حملوا القضية وآمنوا بها، فتوالت عليهم الهزائم المروعة، لكنهم في النهاية صنعوا المستحيل، بعينه!

--------

رفض القادة الاستسلام.

ستبدأ قوة من 16,000 مقاتلا بمهاجمة القوميين لإشغالهم عن انسحاب الكتلة الأكبر، وسيتم تدميرها بالكامل تقريبا. يتم تحديد أضعف نقاط الحصار، ويبدأ الاختراق. سيحاول 130 ألف شيوعيا كسر الحصار، بمهاجمة أضعف نقاطه. ينجح 97 ألفا في النجاة، ويٌقتل ويجرح ويتقهقر للدفاع عن المنسحبين 33 ألفا، سينهزمون بعد أيام، ويُعدم (ماو زيتان)، شقيق (ماو).

بعد عبور ثلاثة خطوط من الحصار حول (جيانكشي)، يرتطم المنسحبون بتحصين رابع، وتقع المعركة الشهيرة (معركة نهر زيانج). فماذا كانت نتيجتها؟

أقرب إلى إبادة الجيش المنسحب! لقد وصلوا النهر يوم 31 أكتوبر بقوة قوامها 86,000  مقاتلا، ليخرجوا منها في 2 نوفمبر بـ 30,000 فقط. نعم! خسروا 56,000 ألفا في 48 ساعة!

أكملوا (المسيرة الطويلة)، الملهمة في إسمها قبل وصفها، لكنهم اختلفوا في الوجهة بعد كارثة النهر، واستقر الرأي في النهاية على مقترح (ماو) –المخالف لقرار قائدي المسيرة (بو) و(براون)- وتوجهت المسيرة نحو (زونيي)، ونجحوا في احتلالها في يناير 1935، ولكن بعد أن صار الـ 30,000 : 10,000!

كما ترى، يفقدون عشرات الآلاف مع كل قرار!

هنا عُقد مؤتمر (زونيي)، عُزٍل فيه (بو) و(براون) وتولى (ماو تسي دونج) رسميا قيادة المسيرة.

(ماو) عبقري عسكري نادر النظير! سيظل طيلة أشهر من تاريخه يتجنب المواجهة مع القوميين بشتى السبل! رجل يهرب من عيون الجيش القومي والاستخبارات والجواسيس لا بزوجته وابنته، بل بعشرة آلاف من البشر! حتى أنه يعبر بآلافه العشرة تلك نهر (شيشوي) 4 مرات، في كلا الاتجاهين! بعد مناورات خيالية، يصلون نقطة النهاية في الشمال، ويتوحدون مع الجيشين الثاني والثالث في أكتوبر 1935. اليوم فقط تتحقق المنعة والشوكة، ويعجز القوميون عن المبادرة من جديد.

كم بقي من الجيش الأول المنسحب من (جيانكشي)، الذي كان قوامه 130 ألفا؟

7 آلاف!!

أي أقل من 6%، أي أن الخسائر تجاوزت الـ94%! هذا غير خسارتهم لمعقلهم وأرض دولتهم.

ومع ذلك، فحق للبروباجاندا الصينية أن تجعل الحدث انتصارا تاريخيا، وما ذلك إلا لسبب واحد لا ثاني له: أن توالي الهزائم لم يثنِ العزائم، وأن الخسائر المروعة كانت أمرا متوقعا عندهم، في عالمهم هذا الذي فقهوا بعضا من سننه الكونية أفضل مما فهمناها.

في 1937 ستغزو اليابان الصين فيتوحد العدوان، ثم يستمر ذلك بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، ثم تستأنف الحرب بين الطرفين في 1945، بعد أن بلغ (ماو) ورجاله شأنا عظيما خلال الحرب وصار وزنهم أثقل عشرات المرات منه في (جيانكشي) التي سقطت منذ 11 عاما! أربع سنوات أخرى قبل أن يبسط (ماو) سيطرته على كامل أرض الصين ويعلن دولته في 1949، ويطرد عدوه إلى تايوان!

لعلك تشابه الآن بين (المسيرة الطويلة) وقصة طالوت، الذي خرج يجاهد، وظل تعداد جنده يتناقص حتى انتصر في النهاية بقلة قليلة!

لكن قصتنا عن ملاحدة كفار، وطالوت كان قد بعثه الله ملكا، وكان في الجيش من؟! داوود عليه السلام! فكيف القياس؟

القياس هو على المشترك بين الحدثين: سنن الله عز وجل التي أودعها في كونه، كونه الذي جعله مسرحا للمؤمن والكافر.

وأبرز هذه السنن وأكثرها ثباتا: أحقية الماهر البصير في النجاح في الدنيا، وجدارة الآخذ بالأسباب المتجرد عن هوى النفس في سبيل الغاية الكبرى، مديم المراجعة لوسائله دائم المحاسبة لقادته، جدارته بالنصر (في الدنيا).

فإذا أضفت إلى ذلك إيمانا بالقضية، كالجبل راسيا مهما توالت الضربات،  فإنه ليس جديرا بالنصر فقط، بل بتحويل الفارق الشاسع في ميزان القوى إلى نصر مؤزر، بعد هزائم متتالية تنتهي بتمكين.

فإذا كان مؤمنا موحدا، فهذا الذي قال لله فيه: (وترجون من الله ما لا يرجون)، أي الجنة وأنهارها.

لكن هذا لا يغير من سنن الله في (الدنيا) شيئا!

لو قفز أعبد الناس إلى البحر ولمّا يتعلم السباحة لغرق بعد دقائق، ثم قد لا ينقذه إلا كافر ملحد يعمل منقذا للغرقى!

كل هزيمة ينتج عنها تراجعٌ في الإيمان هي التي تقربك من الهزيمة النهائية، بينما كل هزيمة تثمر مراجعة للوسائل والاستراتيجيات، لا تراجعا عن المعتقد، بل تزيدك بمعتقدك إيمانا وتسليما وتحيي في قلبك (هذا ما وعدنا الله ورسوله): فهي الهزيمة التي تقربك من النصر.

قيل عن الجنرال الفذ (جياب) قائد الحرب الفيتنامية ضد أمريكا: "هو الرجل الذي هزمناه في كل المعارك، لينتصر علينا في الحرب".

تذهب (حلب) كأرض وتجيء، كما ذهبت (جيانكشي) وعادت. تذهب السلطة وتعود، وتنهار الدول وتنهض، وتولي الحرية عنا مدبرة لا تعقب، ثم تأتي مقبلة وقد نركلها نحن! كل هذه متغيرات، لكنّ إيمانك بقضيتك هو رأس مال المعركة وعمود خيمتها، وهو وحده الذي لو زال فقد زال بعده كل شيء!

هذا ليس إنشاءً ولا حالمية مثالية!

هذه إحدى أصدق الحقائق في تاريخ البشر، مؤمنهم وكافرهم، وإحدى أعظم ثوابتها، وسط مئات المتغيرات في عالمنا هذا..

الأيام دول، منذ نزل آدم إلى الأرض وإلى يوم الصاخّة، والطامة الكبرى هي أن يُدال عليك فتنتكس وتتخلى عن قضيتك، ثم حين يُدال لك وتأتيك الفرصة لاهثةً، إذا بها تفتقدك، إذ قد كسرتك الهزائم فبدّلت وغيّرت، طمعا في هدوء لا تفسده قعقعة صراع، ولم تكن تدري ساعتها أن هدوءا بدون جَلَبة هو مؤقت وزائل، إذ هو في النهاية مهما طال فهو ينتمي لهذه الدنيا، التي أبرز خصائصها: زوالها كلها بعد حين!

أضف تعليقك