الثلاثاء , 25 أبريل 2017 - 28 رجب 1438 هـ

"حماس في عيون داعش..بين عقم التفكير وعمق التكفير" بقلم النائب: إبراهيم دحبور

"حماس في عيون داعش..بين عقم التفكير وعمق التكفير" بقلم النائب: إبراهيم دحبور

هناك قاعدتان توضحان علاقة الإنسان بمحيطه وبيئته التي يحيا فيها وما تتضمنه من عوالم وموجودات ومخترعات ومستجدات وأشخاص، وتحددان مدى انسجامه معها وتفهمه لها، تقول القاعدة الأولى  أن "من جهل شيئاً عاداه" أما القاعدة الثانية فتعطي الإنسان القدرة على التعامل مع الأشخاص والهيئات والأفكار والمعتقدات والمباديء على أسس من الفهم والوعي والإدراك، وهذه القاعدة هي "النظرات الأربع" وهي نظرة الإنسان لنفسه ونظرته للغير، ونظرة الآخر لنفسه ونظرته للآخرين، وانطلاقاً من فهم هاتين القاعدتين في التعاملات البينية، يمكن لأي إنسان أن يُبدع في بناء علاقاته الإنسانية، سواءً كانت اجتماعية أو فكرية أو سياسية أو دينية أو مهنية أو حتى عدائية مع الآخرين، وأن يرتقي بعلاقاته ونظرته الموضوعية لهم، وأن يجلب لنفسه الهدوء والسكينة والطمأنينة خلال تعايشه مع بيئته ومحيطه ومجتمعه، وبدون هذا الفهم فإنه سيحار ويرتبك ويجلب العداوة لنفسه في كل أحواله، سواءً في حركته أو سكونه، في حديثه أو سكوته، في كينونته أو محيطه.

وتأسيساً على ما سبق وكربط بين عنوان المقال ومقدمته، وعودةً إلى العلاقة بين القاعدتين ونظرة من يتبنى فكر دعش (سنستخدم كلمة داعش للتعبير عن ألافراد الذين يحملون فكرها كون داعش ليس لها كيان واضح المعالم ومحدد الهوية وواضح الولاء والانتماء)  لحماس وعقم تفكيرهم تجاهها وعمق تكفيرهم لها، لدرجة أنهم يقدمونها في العداوة على المحتل الغاصب، ويناصبوها العداء أكثر من عدائهم للحركات التي لا تتبنى الإسلام معتقداً ومنهجاً وأسلوب حياة ويضعونها في المقدمة، مما دفعها لتجاوز كل الخطوط الحمر مع حماس وشد القوس معها إلى مداه.

وبموجب القاعدة الأولى فإن داعش تجهل حركة حماس تماماً، تجهل أنها حركة مقاومة وطنية فلسطينية تحصر نضالها وجهادها في فلسطين فقط، وتحرص على عدم نقل ساحة الصراع إلى أي مكان آخر، ولا تتدخل في شؤون الآخرين مهما حصل، بينما داعش تريدها حركة إسلامية أممية عالمية عابرة لا تكترث بالحدود ولا بالأنظمة ولا بالقوانين الدولية، وأن من حقها ممارسة العمل على أراضي تلك الدول ظناً منها أن الأرض كلها ملك لها، وتجهل داعش أن حماس جزء من حركة النهضة الإسلامية وتتبنى فكراً إسلامياً وسطياً معتدلاً، وليس لها أي معركة مع أي دولة أو شعب في العالم، فهي لا تقاوم إلا من هجَّر الشعب الفلسطيني واحتل أرضه، وأن المقاومة عندها وسيلة وليست غاية، بينما داعش تريدها حركة حدية ترى كل العالم وأممه وأنظمته ودوله وشعوبه خصماً وعدواً يجب مواجهته والقضاء عليه بكل الوسائل ومختلف ألطرق، وتجهل داعش أن حركة حماس ترتبط فكرياً وليس تنظيمياً بجماعة الإخوان المسلمين التي جاءت للعالمين بالدعوة والخير والتسامح والعفو والصفح، بينما داعش تريدها أن تدين بالولاء فكراً وطاعةً لزعيم تنظيم الدولة الإسلامية "وخليفتها" البغدادي وأن تأتي للعالمين بالسيف والقتل والذبح، وتجهل أن حماس تعمل بوعي وإدراك على توفير الظروف الملائمة لتحرير الأرض الفلسطينية من الاحتلال الصهيوني، وتحقيق الاستقلال الوطني للشعب الفلسطيني، بينما داعش تريدها حركة انتحارية تواكلية تعمل دون تفكير أو أخذ بالأسباب ظناً منها أن ذلك يقدح في عقيدتها ويخرجها من الإيمان، وتجهل داعش أن حماس تسعى لتخليص القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية من دنس الاحتلال سواءً بسواء، وتريدها حركة معاديةً للشرائع كلها بغض النظر عن وطنيتها أو وقوعها تحت ظلم المحتل كما المسلمين واقعين تحت ظلمه، وأن تضع المسيحي ومقدساته في صلب هجماتها تماماً كالمحتل الغاصب لأرضها، وتجهل داعش أن حماس تقيم علاقاتها المحلية مع منظمة التحرير الفلسطينية والحركات الوطنية الفلسطينية، وتقيم علاقاتها الخارجية مع الدول والحركات ليس على أساس الدين والمذهب والمعتقد، بل على أساس تضافر الجهود خدمة للمشروع الوطني الفلسطيني وبما يمكن الفلسطيني من الصمود والثبات وتحمل تبعات المواجهة مع الاحتلال في طريقه لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة الحقيقية،  بينما داعش تريدها حركة انعزالية تناصب الكل العداء وتتعامل معهم على أساس أنهم كفرة ملحدين وجبابرة مرتدين تجب المفاصلة معهم ونبذهم ليس في المعتقد فقط بل في المعاملة والحياة والحقوق أيضاً، وتجهل داعش أن حماس لا تناصب الشيعة العداء ولا تعتبرهم خارجين عن الملة وإنما هم من المسلمين لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وأن حماس تقيم علاقتها معهم على قاعدة النصرة لا الطاعة، وأن المحدد في العلاقة هو البعد السياسي وليس العقيدة والمذهب فقط، بينما داعش تريد من حماس أن تعتبرهم روافض وزنادقة ومرتدين يجب قتلهم ونبذهم أينما وجدوا ومهما اقتربوا في عقيدتهم من أهل السنة، وتجهل داعش أن حماس تعتمد النظام الشوري المؤسساتي المدني العصري الحضاري أساساً لبنائها التنظيمي، وتعتمد الانتخابات وسيلة لتولي من تختاره قواعدها رئيساً لمكتبها السياسي وهيئاتها القيادية كائناً من كان ما دام يتحلى بالصفات التي تؤهله لذلك، وهي ملتزمة بطاعته ما التزم بنظامها الداخلي ولوائحها ومبادئها، ولا تلتزم بطاعته إذا ما حاد أو أخطأ، بينما داعش تريدها حركة ثيوقراطية تعتمد الخليفة العربي القرشي ولياً لأمرها دون إرادة منها أو اختيار، تلتزم بطاعته المطلقة ولا تخالف أمره مهما حصل على اعتبار أن الخروج عليه مخالف لما أجمعت عليه الأمة، وتجهل داعش أن حماس وبمقدار التزامها بالإسلام معتقداً ومنهجاً ودستوراً ونظام حياة، فإنها ترى أن نصوص الإسلام ثابتة نصاً ومتحركة فهماً، وأن معظم نصوص الإسلام تخضع للاجتهاد والمقاربة، بينما داعش تريدها أن تعتبر النصوص ثابتة نصاً وفهماً، وأن جميع النصوص توقيفية ولا يوجد نصوص اجتهادية.، لكل ذلك فإن جهل داعش بحماس ومطالبها اللامنطقية يحملها على هذا الموقف من حماس.

أما  القاعدة الثانية (النظرات الأربع) فإن داعش لا ترى إلا نفسها ولا ترى الآخرين إلا من منظورها، ولا تعترف بنظرة الآخرين لأنفسهم ولا بنظرتهم لها أو للآخرين، وحماس أحد هؤلاء الذين لا بجوز أن ينظروا إلا بمنظارها وأن لا يروا إلا ما ترى هي،  لذلك نراها تضرب بعرض الحائط كل وسائل التقارب التي انتهجتها حماس معها، وتهدم كل الجسور ونقاط الوفاق الدينية والوطنية وتلغيها من حسابها، لذلك لا نتوقع تغير الحال ولا ذوبان جليد العلاقة، وسيبقى عقم التفكير وعمق التكفير هو سيد الموقف في العلاقة بين داعش وحماس.

ابراهيم دحبور / نائب عن كتلة حماس في المجلس التشريعي الفلسطيني

أضف تعليقك