الثلاثاء , 21 فبراير 2017 - 24 جمادى الأولى 1438 هـ

السكوت جريمة ... د.غازي حمد

السكوت جريمة ... د.غازي حمد

(1) مواسم مستنسخة

ها قد انتهى موسم الانطلاقات..

نجحت انطلاقة حماس(29) وجمعت الجموع ....

ونجحت انطلاقة الجهاد(29)وأطلقت مبادرة بلا جناحين..

ونجحت انطلاقة الشعبية(49)وأكدت على برنامجها....

والديمقراطية ناهزت ال(48) عاما..

وفتح أوقدت شعلة انطلاقتها(52)لتجديد شبابها وقوتها..

بمجموع عمل وطني يساوي 207 اعوام .

لا مقارنة بين السردية التاريخية الثورية والنتائج الكارثية التي نحن عليها !!

الانطلاقات : افراح ..رايات ..اناشيد صاخبة ..شعارات قوية .. جموع هادرة !!

هي صورة يجري استنساخها  كل عام , بنفس الرايات ..نفس الوجوه ونفس الشعارات..

ثم ماذا ؟!!

اين الوطن(المستباح) من ذلك كله .. اين هي المصالحة ..اين هي الوحدة الوطنية ..اين هو المشروع الوطني (المغيب والمجزأ) ..اين مشاكل الشعب وازماته ومعاناته من خارطة المهرجانات الحزبية؟؟

لا تغييرات جذرية ,لا رؤى سياسية ,ولا طروحات واقعية!!

كل فصيل ذهب-فرحا- الى حال سبيله ..

فرحا باثبات قوته والتفاف الجماهير حول برنامجه ..وهو ليس بالشيء المفيد اذا لم يقترن بحراك/ انقاذ سياسي ووطني.

لا احد يفكر في كيفيةتحويل هذه المهرجانات(الفرصة الذهبية) الى ساحة انطلاق وطنية, تتمخض عنها رؤية وخطة تحرك المياه الفلسطينية الراكدة منذ عقود!!

في الخطابات,الكل يحترف في استحضار الماضي ..بطولات الماضي ..معاناة الماضي , لكنه ينسى/يتجاهل المستقبل والتخطيط له..ينسى كيف يخرج الناس من اوجاعهم ..كيف يرسم مستقبلا واعدا للجيل الشاب والطموح ..كيف يقدم حلولا عملية للخروج من دوامة الازمات .

نصفق كثيرا ونهتف كثيرا ,لكننا نفقه قليلا !!

نبحث عن الحقيقة وسط ارتال الشعارات وجبال الهتافات ..وقلما نجدها !

لذا فان الرؤية تبقى دائما ضبابية محيرة ..ويبقى سؤال الناس المزمن :"وين رايحة "!!

انهم لا يعرفون/او لا يملكون الاجابة .

(2) ابو مازن ..والهروب من الواقع

الرئيس ابو مازن خرج (منتصرا) من المؤتمر السابع ب(فتح) جديدة , وآلت اليه كل مفاتيح الحركة والسلطة ومنظمة التحرير .

لا يعرف الكثيرون – حتى اعضاء المركزية -ما يشغل بال الرئيس الان .

ماذا سيفعل بالملفات (المصفطة) على طاولته : مشروعه السياسي , المصالحة , علاقته المتوترة مع دول المحيط ..مشاكله الداخلية في فتح !!

مشكلة الرئيس أنه لا يحب احداث تغيرات دراماتيكية/مفاجئة في سياساته ,ويحب ان يبقى على نفس التقليد حتى وان سرق من عمره سنوات ...بل عقودا .

صارت القاعدة – المقلوبة – : ليس المهم النتائج وانما الحراك والعمل !!

صحيح ان ابو مازن خرج قويا كرئيس , لكنه ترك فتح تتصارع وتتوزع بين تيارات , ولم ينجح في لملمة صفوفها او نزع فتيل التوتر بينها, وهذه اخطر مثالب المؤتمر السابع.

لا يستطيع ابو مازن ولا حركة فتح التهرب من ان تيار دحلان يمثل لهم خصما عنيدا بما لديه من انصار واموال وعلاقات, ولا يستطيع ابو مازن التهرب من حقيقة ان شعبيته تتراجع عما كانت في السابق, اذ انه في خطابه الاخير لم يقدم أي رؤية سياسية تخرجه-والشعب- من حالة الجمود التي تعيشها مسيرة المفاوضات منذ عشرين عاما ..ويظل يردد عبارته التي لم يمل منها (يدي ممدودة للسلام), لكن هذه اليد لا تجد من يصافحها .

الم تتعب هذه اليد الممدودة في الهواء ؟!!

كما لا يستطيع الرئيس التهرب من حقيقة ان علاقته بحماس-والفصائل عموما- شبه منبتة, وعلاقته بمصر والاردن تتراجع بحدة , وعلاقته بالمحيط الدولي والاقليمي تكاد تكون غير فعالة !!

ومع ذلك, فان الرئيس لم يحدد /ولم يجدد خياراته واولوياته, وبقي –كالعادة – يخفي الاسرار والقرارات الاخيرة في جيبه.

تحركات ابو مازن الاخيرة بين انقرة والدوحة والرياض لا تعني خلق احلاف/بدائل جديدة او التخلي عن احلاف قديمة .طبيعة الصراعات الاقليمية معقدة الى درجة لا تسمح للرئيس بالذهاب بعيدا في تخيلاته أو امنياته.

الانجاز المهم الذي جرى في مجلس الامن لا يمكن تجاهله, لكنه سيبقى حبرا على ورق اذا لم يقترن بحراك متسلسل ومثابر على الارض, والا فان اسرائيل- وبدعم من ترامب وسكوت من المجتمع الدولي – ستسابق الزمن في بلع ما تبقى من الارض لصالح الاستيطان ..حينها لن تنقذنا الاوراق والقرارات.

خطاب جون كيري –الذي استيقظ بعد سنوات من نومه السياسي– ورغم الايجابيات التي وردت فيه ليس الا "ضربة مقفي " !!.

هكذا هي الادارة الامريكية !, تضحك علينا وتراوغنا طوال بقائها في البيت الابيض , حتى اذا اذن الرحيل تتحفنا بعبارات لا قيمة عملية لها .

(3) مجازفات خارج المعقول

اذا اعتقد الرئيس بان نجاح(العرس) في المؤتمر السابع تمهد الطريق امامه لانتاج (طبعة) جديدة لمنظمة التحرير من خلال الذهاب نحو عقد المجلس الوطني, فانه يكون قد ارتكب غلطة كبيرة !!

هكذا ستنتج منظمة تحرير اضعف (واقل جودة) !

الى جانب سلطة هشة , ونظام فصائلي مشتت .

الحالة الفلسطينية لا تحتمل سياسة فرض الامر الواقع , ولا الاجراءات الاحادية , ولا فلسفة التجريب ,اذ ان من شأن ذلك تعزيز الانقسام وقتل المصالحة بسكين المجازفات غير المحسوبة.

المطلوب هو معالجة القضايا الكبرى بكثير من الحكمة ..وكثير من التوافق .

في الاونة الاخيرة تجاوزت مجازفات/مغامرات الرئيس حدود المعقول ودخلت الى مربعات صعبة مثل رفع الحصانة عن النواب، وتشكيل المحكمة الدستورية والغاء الانتخابات المحلية وغيرها من الخطوات الانفرادية.

ربما وصل الى قناعة انه لا فائدة من الجري حماس والفصائل, وانه ينبغي ان يقرر بنفسه الى اين تتجه السفينة الفلسطينية المحملة باطنان المشاكل والازمات, معتقدا ان الكل سيلحق به عاجلا ام اجلا !! وهذا وهم لا يستند الى حقيقة, وينبغي على الرئيس التخلص منه، والا فانه سيودي به الى طريق مسدود !!

وهنا يأتي دور اللجنة المركزية الجديدة في الخروج عن التقليد وتصويب بوصلة فتح  ووقف"تغول "الرئيس على القرارات وحسم التوجهات ..ورسم سياسة جديدة في تحديد اولويات المرحلة, والا فان التغيير في فتح سيكون فقط في تغيير الوجوه وليس السياسات ..

(4) الفصائل ..وضرورة الخروج من المربع الرمادي

ولان هناك حالة فراغ سياسي و(تشرذم) وطني , فالمطلوب اجراءات وقرارات استثنائية تخرجنا من الحالة التقليدية –المميتة – وتخرجنا عن النصوص المتهالكة والحكايات القديمة.

مع الاسف, الفصائل الفلسطينية غالبا ما تفضل التمترس في المربع الرمادي, لذا تنقصها  الشجاعة والمبادرة في اتخاذ مواقف وقرارات ذات مضمون سياسي واحتضان شعبي .

الفصائل–خاصة حركة حماس – بحاجة الى النزول من مدرجات المتفرجين الى ساحة الملعب، وممارسة مهارات التأثير والتغيير وطرح البدائل والافكار الابداعية في انقاذ الحالة الفلسطينية .

حماس, الحركة ذات الحضور الجماهيري والقوة العسكرية والقدرات المتنوعة, لا يزال ينقصها الكثير لتبرهن على قدرتها على انها لاعب سياسي- وليس عسكريا فقط-  قادر على تسجيل الاهداف .

الناس ينتظرون من حماس الكثير، وان تتحرك بسرعة أكبر وان تفرد جناحيها وتوسع دائرة تفكيرها وخطابها ليكون اكثر شمولية واكثر واقعية في معالجة الازمات الفلسطينية.

الرؤية الحزبية المحضة غالبا ما تقصر عن استيعاب كل الزوايا.

هل تدرك قيادة حماس ان الناس يتوقعون منها –يأملون فيها -اكثر بكثير مما هي عليه الان !!

حماس يجب الا (تنام) على قوة حضورها وكثافة مهرجاناتها وقدرتها العسكرية اذا لم يترجم ذلك في تلاحم الرأي العام الفلسطيني معها باتجاه القضايا الكبرى ..واذا لم يتحول برنامجها الحزبي الى برنامج يحظى بالتفاف وطني واسع  يمكنها من ادارة دفة السفينة الفلسطينية باتجاه مخالف للحالة القائمة .

سياسة الانتظار اللامحدود او تبادل الاتهامات او رمي الكرة نحو ملعب الاخر اثبتت انها غير مجدية, بل ومفلسة في احداث تغيير ايجابي في الساحة الفلسطينية .

البقاء والمراوحة في الحالة الراهنة قاتل ..مضيع ومفسد ومخجل .

لا بد من احداث انعطافة حادة ..قلب موازين ..تغيير في الاتجاهات .

يقولون :(ماذا نفعل "؟..ابو مازن يدير ظهره للمصالحة ..جربنا معه كل شيء ..وقدمنا له الكثير من التنازلات ..)

هناك العشرات من المبررات المنطقية التي يمكن الاستناد اليها ,لكن هذا لا يعني ان تمر السنون دون ان نفعل شيئا ..دون ان نتجاوز العقبة ..ان نلتف على الجبل..

لا ينبغي الاستسلام لحالة العجز وترك القضية تذوي والشعب يتعذب ويغلي في داخله.

هنا تظهر عبقرية القيادات الشجاعة وقت ادلهام الخطوب واستحكام الازمات .

القيادات التي تكسر التردد وتقتل الصمت وتقرر ان تفعل شيئا .

يمكن ان نصنع اشياء كثيرة ..

أن نبدأ بحوار وطني شمولي مع جميع المكونات السياسية والوطنية ..

أو الانطلاق بطرح مبادرة انقاذ..

أو وضع حلول لبعض التحديات الداخلية مثل الكهرباء والمعابر وتحسين الاوضاع المعيشية .

المهم ان نبدأ ونتحرك.. نعلق الجرس.. ندق الخزان !!

لان السكوت على الحالة الراهنة جريمة .

أضف تعليقك