الإثنين , 23 يناير 2017 - 24 ربيع الثاني 1438 هـ

الأسرى الفلسطينيون ورقةٌ قذرةٌ للضغط وأسلوبٌ رخيصٌ للابتزاز بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

الأسرى الفلسطينيون ورقةٌ قذرةٌ للضغط وأسلوبٌ رخيصٌ للابتزاز  بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

الأسرى الفلسطينيون ورقةٌ قذرةٌ للضغط وأسلوبٌ رخيصٌ للابتزاز

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

تعاني حكومة العدو الإسرائيلي وفي المقدمة منها رئيسها بنيامين نتنياهو من حالة الإحباط واليأس التي وصل إليها وحكومته بسبب جنوده الأسرى والمفقودين في قطاع غزة، إبان وبعد عدوانه الأخير على غزة عام 2104، فقد عجز حتى اليوم عن الحصول عن أي معلومةٍ تخصهم، لجهة عددهم أو سلامتهم إن كانوا أحياء، أو مصيرهم إن كانوا أمواتاً، وغير ذلك من المعلومات التي عييَّ عن الحصول عليها أو على أقل منها إبان أزمته الكبيرة مع أسيره الشهير جلعاد شاليط، الذي قضى في الأسر سنواتٍ، وكبده وجيشه الكثير من الجهد والوقت والمال وتبعات الحرب والقتال.

ومع ذلك فلم يتمكن من الحصول عليه أو على أي معلوماتٍ عنه أو تخصه، إلا بعد أن خضع لإرادة المقاومة، وقبل بالصفقة التي طرحتها عليه منذ اليوم الأول، رغم الحرب التي شنها، والعمليات الاستخبارية التي نفذها، وعمليات الرقابة والتجسس والمتابعة التي قام بها، إلا أنه لم يتمكن من استعادة جنديه الأسير، إلا بعد أن أفرج عن مئات الأسرى والمعتقلين من سجونه، ممن ظن أنه لن يفرج عنهم أبداً، ولن يطلق سراحهم من سجونه إلا أمواتاً، ولكنه وجد نفسه مضطراً أن يفرج عنهم أحياء كرماء معززين بإرادة المقاومة وحمايتها، التي نجحت في فرض إرادتها، وألزمت العدو بشروطها.

لهذا تتطلع حكومة العدو بعد أن فشلت مساعيها المختلفة الأمنية والعسكرية والسياسية، والمباشرة وعبر الوسطاء، وعجزت بالحصار المشدد الذي تفرضه على القطاع وأهله، وانهارت كل خبرتها التي تراكمت عبر سنوات التجربة الفاشلة مع شاليط، وأعلن الوسطاء الدوليون ذوو الخبرة والكفاءة عن فشلهم وعجزهم عن الوصول إلى أي معلومةٍ تفيدهم عن حال الجنود المفقودين، أن تمارس ضغطاً نفسياً ومادياً على الجهة الآسرة لجنودها، والتي تحتفظ بمواطنيها، في محاولةٍ منها لثنيها عن قراراتها، أو تليين موافقها، وإجبارها على تقديم معلوماتٍ، أو الاستجابة إلى جهود الوسطاء الدوليين، علها تتجنب الخيبة الكبيرة التي منيت بها، وتتجاوز الفضيحة والإهانة التي قبلت بها.

وتتعرض حكومة العدو إلى ضغوطٍ قاسية ومباشرة من أسر وعائلات الجنود المفقودين، الذين يطالبون الحكومة ورئيسها بضرورة تقديم معلوماتٍ واضحة وصريحة عن مصير أبنائهم المفقودين، والاعتراف بهم كمفقودين أو أسرى، ذلك في الوقت الذي تمارس فيه كتائب القسام، الذراع العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، التي يعتقد أنها الجهة التي أسرت الجنود وما زالت تحتفظ بهم أحياءً أو أمواتاً، نوعاً من الضغط النفسي على عائلات الجنود، فتقوم من حين لآخر بالتذكير بهم، أو تعرض صوراً لهم، وتكشف عن تقصير حكومتهم في البحث عنهم، وكان آخرها عرض شريط فيديو لحفلة تمثيلية لعيد ميلاد الجندي الأسير شاؤول آرون.

ومن جانبٍ آخر يتعرض نتنياهو وحكومته وأجهزته الأمنية إلى حملة إعلاميةٍ قاسيةٍ جراء التباطؤ الشديد الذي يبديه وحكومته في التعامل مع قضية الجنود المفقودين، فضلاً عن حملة نقدٍ سياسية تقوم بها الأحزاب المعارضة، وجنرالات الحرب السابقين، الذين يحملون نتنياهو المسؤولية الكاملة والمباشرة عن حياة جنودهم، وأنه المسؤول عنهم والمعني بإعادتهم إلى بيوتهم وأسرهم، أو الكشف عن حقيقة حالهم، الأمر الذي بات يقلق نتنياهو وحكومته، ويضطره إلى اتخاذ قراراتٍ طائشةٍ وغير مسؤولةٍ في كل الاتجاهات وعلى كل المستويات لمحاولة الخروج من الأزمة.

لهذا وفي محاولةٍ من نتنياهو للهروب إلى الأمام، والفرار من المواجهة، ومحاولة التأثير على الجهات الآسرة، فقد قررت حكومته مضاعفة التضييق على الأسرى والمعتقلين التابعين لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، وكل الذين يتعاطفون معها ويؤيدونها، وخوض حربٍ معها من خلالهم، بعد عن عجزت عن تطويعهم ميدانياً وعلى جبهات القتال، فقررت إقصاءهم عن بقية الأسرى والمعتقلين ونقلهم إلى سجونٍ بعيدةٍ، وعزلهم في زنازين خاصة، وحرمانهم من حقوقهم العامة في الفورة والكانتينة والدراسة والعلاج، ومضاعفة العقوبات المفروضة عليهم، ومنعهم من زيارة أهلهم أو الالتقاء بمحاميهم، وسحب الكثير من الامتيازات التي تحققت للأسرى عامةً، كالكتب والصحف وبعض المحطات التلفزيونية، وغير ذلك من الإجراءات التي تتمخض عنها عقلية إدارة السجون والمعتقلات وحراسه والمحققون فيه.

ليست هي المرة الأولى التي يلجأ فيها العدو الصهيوني بدونيةٍ وصغارٍ، ولؤمٍ وحقدٍ وانعدام أخلاقٍ، وانتهازيةٍ وضيعةٍ تنم عن طبيعته المريضة، واستغلاليةٍ مشينةٍ تعبر عن مسيرته السقيمة، وضعفٍ حقيقيٍ لا تستره القوة، ولا يجبره التفوق والاستعلاء، ولا يتناسب وكل دعاوى الديمقراطية والتطور وحقوق الإنسان، وأنه الكيان الأكثر أخلاقيةً والأفضل قيماً والأنبل مناقبيةً في المنطقة.

بل سبق له أن أسفر عن عدوانيته وهمجيته، وعن أمراضه ومعاناته، وعن قيمه البالية وأخلاقه الوضيعة، إذ استغل أكثر من مرةٍ وفي مناسباتٍ عديدةٍ الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين والعرب في سجونه ومعتقلاته للضغط بهم والمساومة عليهم، والتلويح بورقتهم ضد المقاومة عموماً، وضد السلطة الفلسطينية أحياناً، وضد الشعب الفلسطيني دائماً، مستغلاً أوضاعهم، ومستفيداً من مكانتهم، ذلك أنه يعرف قيمتهم الكبيرة وقدرهم العالي لدى أهلهم وعند شعبهم، وأنهم جميعاً على استعداد للتضحية بحياتهم من أجلهم، وفي سبيل إطلاق سراحهم واستعادة حريتهم.

يخطئ العدو الإسرائيلي ورئيس حكومته ووزير جيشه وقادة أركانه ومخابراته ومختلف أجهزته الأمنية وغيرهم من كبار المراهنين على هذه المقامرة، عندما يعتقدون أن ممارسة المزيد من الضغط على الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، وزيادة جرعة تعذيبهم والتضييق عليهم، سيؤدي إلى تركيع أهلهم، وإضعاف شعبهم، وسيرغم قيادتهم ومقاومتهم على الرضوخ والقبول، والاستسلام والخضوع، وسيحصلون بهذه الطريقة على جنودهم، وسيستعيدون ثقة شعبهم وكرامة جيشهم، إذا ما علا صراخ المعتقلين وضجت أقسامهم بالبكاء والأنين جراء التعذيب المهين والمعاملة القاسية.

وما علم العدو أن الأسرى والمعتقلين هم رجالات المقاومة، وصناديد القتال، وقيادة الأمة، وروادها الأوائل، وأبطالها الأماجد، الذين ضحوا بحياتهم من أجل وطنهم، وقدموا زهرة أعمارهم في سبيل أمتهم، وصمدوا كالجبال في سجونهم، وثبتوا كالراسيات في زنازينهم، فما كان لهؤلاء الرجال أن تنحني قاماتهم، وأن تذل أنوفهم، وأن تنكسر مقاومتهم، وأن يرفعوا الصوت بالبكاء والعويل طلباً للنصرة وأملاً في النجاة، فإن دون ذلك أرواحهم والمهج، وحياتهم والردى.انتهى

 

 

أضف تعليقك